بدأ ليلي الطويل في ذلك اليوم الصيفيّ الحار، أو قُلْ اليوم المضني والثقيل، قرابةالساعة العاشرة والنصف حين غرقت البلدة في هوّة سحيقة من الصمت والضباب. وبدت درفة الشبّاك المعدنيّ المشرع فوقي، التي تعربش عليها وتعلوها شجرة ياسمين مُعمّرة، وكأنّها سُدت فجأةً من تلقائها، أو بفعل حدث محجوب، بغشاءٍ غير مرئيٍ، وغريبٍ، وسميك.

كنّا وصلنا البلدة قبل يومين قائظين. وأنا في الحقيقة لم أعد أذكر من تفاصيل وصولنا ولا تفاصيل اليومين الأوّلين سوى القيظ. بيد أنّي الآن أذكر دقائق اليوم الثالث كلّها، كما لو أنّها محفورة بخطوطٍ من نور على شاشة سوداء داخل رأسي. كانت البلدة تحيا، في جزئها الداخلي القديم على الأقل حيث كنّا، مشهدًا شبه مُستقرٍّ لا يتبدّل فيه سوى الضوء، الذي راح مع مرور الوقت يتحوّل ويتفاوت ويتدرّج ويتلوّى، بحسب حركة الغيوم ونشاط الهواء. وقد انقضى النهار كلّه تقريبًا على هذا المنوال من تحوّلات النور، إلى أن خبا الأخير وانطفأ. وهكذا فإنّ المشهد الصامت لليوم الثالث، من الشباك، حيث كنت أنام على كنبةٍ تحت درفته، لم يتبدّل عمّا كان عليه طوال النهار وحتّى حلول الظلام إلّا تبدّلًا من ناحية الإضاءة والظلال، حيث بدا ذاك مُذكرًا بصناعة الأجواء والخلفيّات المسرحيّة. فمشهد الطبيعة الميّتة الذي ساد وطغى منذ الصباح غدا الآن مُظلمًا، وتتخلّله، هنا وهناك، بعض تفاصيل حيّة صغيرة، أو مُنمنمة، تزيد من وقعِ صمته وظلامه، كنورِ لمبة عمود البلديّة الشاحب، الأشبه بهالة صغيرة تعلو الطرف الآخر للزقاق بموازاة الشبّاك، أو كتلك الأسراب الوحشيّة من البرغش وفراشات الليل الصغيرة الرماديّة، التي تحوم في هالة الضوء، مصدرة أزيزًا متواصلًا كأنينٍ طالعٍ من روح الكهرباء التي تُزهق، أو من تعب النور الضئيل المشرفِ على الاختناق.

وتمتدّ أغصان الياسمينة فوق الزقاق الضيّق على سلك مربوط بعمود الكهرباء. وتنعكس على الجدار الرماديّ لبيت الجيران، عند الطرف الآخر من الزقاق، ظلالُ الأغصانِ متداخلةً مع طيفِ درجٍ كان في الحقيقة (أو في النهار بالأحرى، الذي هو ربّما أبعد شيء عن الحقيقة!) صاعدًا إلى سطح البيت المقابل، لكنّه الآن، في هذا الوقت من الليل غدا صاعدًا بقلب ظلامٍ دامسٍ ومُلتبسًا فيه. وحدث في تلك اللحظة، التي ما زالت محفورة عميقًا في ذاكرتي، أنّ النسائم التي كانت ناشطةً في أوّل المساء وتلاعبت بأوراق الياسمينة المعربشة وأغصانها ونشرت عطر أزهارها في الأرجاء، توقّفت على نحو مباغت أيضًا يستحضر فواصل المشاهد المسرحيّة التي تختصر زمن ساعاتٍ أو أيّام بثوانٍ قليلة. فصارت الأجواء على الأثر أكثر سكونًا، وتملؤها رطوبة شرسة، كما لو أنّ غمامة ثقيلة هبطت من عَلٍ واحتلت الفضاء وأخذت تتضخّم من أطرافها شيئًا فشيئًا، وتضغطُ بأطرافها الناميةِ على سائر الموجودات في المكان.

وأنا، إذ كنت هناك واحدًا من تلك الموجودات، جاءني الضغطُ مُركّزًا في موضع الصدر والممرات الهوائيّة التي تتخلله، وعند مساحة العنق والأنف، هذا الذي سرعان ما غدا عضوًا جسديًّا مختلًا فقد وظيفته أو نسيها، وفقدتُ بدوري قدرتي على التحكّم به أو الاستفادة من خدماته الفيزيولوجيّة، إذ أن فتحتاه كانت صارتا، ومن دون مقدّمات أو سابق إنذار، مجرّد مزرابين دافقين لسيلٍ مالحٍ وحادٍّ، ينبع من مصدر مجهولٍ داخل رأسي.


وراحت أنفاسي في الحال تتقطّعُ وتتباعدُ ترافقًا مع انسداد أنفي وجريان دفقه المالح. وصار يفرّق بين كل واحدٍ وآخر من تلك الأنفاس المتقطّعة حقلٌ مظلمٌ شاسع من الكوابيس والرؤى والسعالِ الحادّ الأشبه بالحشرجات، والأزيز الصدري العميق الآخذ بالتفاقمِ مع كلّ نفسٍ جديد.

وأنا لا أعرف كيف ولماذا غدت الأنفاسُ لي، في تلك اللحظة، أشبه بأرقام. أرقام تبدأ صغيرةً مع إلحاح كلّ نفس، ثمّ تنتفخ رويدًا على إيقاع ما أبذله من جهد لتنشّق الأوكسجين المتوفّر في الجو الرطب والخامدِ حولي. ورحت على نحوٍ تلقائيّ أعدّ تلك الأنفاس الرقميّة المترائية وسط العتم، كي أتأكّد من تحققها. فأقول في نَفْسي وأنا أتنشّق إحداها، مثلًا، "هذا النَفَسُ السابع". ثم أخرجه من صدري المحتقن والمتقلّص، الضاجّ بالصفير والأصوات، وأرسله نحو فتحة الشبّاك المسدودة بالغشاء الشفيف. لكنّ ذاك النفس المُرسلُ، الخارجُ بشقِّ النفَس، كان يصطدم بغشاء الشبّاك ويعود أدراجه نحوي محاولًا خنقي. فأجلس مُتوتّرًا مُستجمعًا قواي كي أكافح الاختناق، مُسندًا ظهري على ثلاثِ وسائدٍ وضعتها فوق بعضها البعض، وأستعدّ لأخذ النفس الثامن. وهذا يأتي أصعب من الذي سبقه. وحين أجهد مرّة أخرى مكافحًا لتنشّقِ بعض الهواء ولإخراجه من صدري، أبدأ بالتفكير بصعوبة النفس التاسع القادم، ترافقًا مع تشكيكٍ رؤيويٍّ مُعذِّبٍ باحتمال عدم تحقّقه، أو باحتمال عدم تمكّني منه، إذ تكون قدرتي حينذاك استُنفدت وبلغت رمقها الأخير، وأنفاسي أُنهكت مُسجّلةً رقمها النهائيّ الممكن في حالتي المتدهورةِ مع حلول الليل.


كان الوقت إذن اجتاز العاشرة والنصف ليلًا وراح يتقدّم ثقيلًا غامضًا بأرقامه المتلاحقة، داهسًا في طريقه الموجودات التي كنت واحدًا منها. وكانت تلك أوّل نوبة ربوٍ تصيبني في حياتي، معلنةً حلول ذاك العطب الغريب والمزاجيّ والخفيّ في كياني. وحين استيقظ أخي، النائم على كنبة أخرى في الغرفة، سارع إلى المطبخ وأحضر قنينة ماءٍ كي أشرب.

فتح أخي القنينة الممتلئة ماءً وقرّبها من فمي. فنظرت إلى فوهتها وأحسست كما لو أنّني على حافة بئرٍ عميقة مظلمة وسأهوي فيها وأغرق. أبعدت بيدي القنينة عن فمي المفتوح، الذي يجهد لإدخال الأوكسجين وأكملت عدَّ الأنفاس التي أكافح لإدخالها إلى صدري، أو لإقحامها فيه إقحامًا. وتوارى أخي في العتمة، ولم يشعل النور مخافة دخول البرغش والحشرات الطائرة، كما حدست. لكنّه ما لبث أن عاد ومعه أمي وقد ارتديا ثيابهما. وسرعان ما أنهُضت من الفراش، بلا كلام كثيرٍ، وراح أخي يساعدني في ارتداء حذائي ووضع شالًا قطنيًّا حول عنقي المبتلّ بالعرق، كما أعطاني قميصًا كي أرتديه. وعندما وقفت بمحاذاة الكنبة التي كنت نائمًا عليها دارت بي الأرض قليلًا وأحسست بالغثيان وكدت أفقد توازني. بيد أنّي تمالكت نفسي وارتديت القميص ومشيت مع أخي وأمّي مغادرين البيت، مسترشدين بنور لمبة عمود البلديّة التي تضيّء الزقاق بأشعّتها المخنوقة. وتوجّهنا نحو السيّارة المركونة بجنب طريق متعامدةٍ مع زقاقنا الضيّق الذي لا تدخله السيّارات. وأُجلِستُ في مقعد السيّارة الخلفي لأتابع من هناك معركتي في وجه الاختناق وأرقام الأنفاس المتقطّعة التي ازدحمت بها شاشة تخيلاتي.

أدار أخي محرّك السيّارة بعد ثلاث محاولات فاشلة وانطلقنا. كان العتم طاغيًا والرطوبة عنيفة والأجواء خامدةً إثر نهار ملتهب. راح ضوء السيّارة يشقّ الظلام ويخترق الرطوبة، فيبدو أمامنا كمثل شعاعين شاحبين لمركبٍ يتقدّم في بحرٍ ساكنٍ يتبخّر. وحين أنظر ملاحقًا الشعاعين الباهتين على الطريق كانت أنفاسي تزداد ضيقًا وتقطّعًا، فأستلقي على مقعد السيّارة الجلدي وأستأنف كفاحي وإحصائي القلِق للأنفاس. وكنت بدأت أتصبّب عرقًا ويعتري أطرافي شيءٌ من البرد، فأشار أخي عليّ ألّا أفتح الشبّاك. قطعنا الطريق عبر ساحة البلدة المقفرة ولم يكن ثمّة أحد على الطرقات ولا بشر في الأزقّة. وبعد قرابة عشر دقائق ونحن في الطريق الذاهب نحو طرف البلدة الشرقي انقطعت الكهرباء وانطفأت أنوار البيوت القليلة التي كانت مضاءةً ومصابيح أعمدة الإنارة العامّة. وذاك حدثٌ زاد من ضيق أنفاسي، إذ بدت لي الأجواء حينها وكأنّها آخذة بالإطباق على سائر الموجودات، لتنصهر الأخيرة في كتلة صمّاء مظلمة.

قاد أخي السيّارة في طريقٍ فِلاحَةٍ صاعدة نحو الشرق وبلغنا التلّة عند طرف البلدة حيث تعملقت مجموعة من أشجار الكينا الضخمة والمُعمّرة. وبلغ ضوء سيّارتنا الصاعدة في طريق الفِلاحة رؤوس تلك الأشجار وهاماتها، وقد بدا لي المشهد إذّاك وكأننا شارفنا طرفَ العالم، أو اقتربنا من نهايته، أو حتّى بدايته. تقدّم أخي بالسيّارة صوب حدود الأشجار متوغّلًا قليلًا في حرش الكينا. وتناهى لنا إذ دخلنا الحرش صوت دوسِ دواليب السيّارة على أوراق الشجرِ شجيًّا ناعمًا. أشارت أمّي على أخي كي يتوقّف ويطفئ المُحرّك وقالت لي أن أفتح الشبّاك. فعلتُ ذلك وعدلت في قعدتي على المقعد الخلفي وأسندت رأسي بحافة شبّاك السيّارة المشرع، وتنشّقت الهواء. كانت أنفاسي الأولى في حرش الكينا ما زالت مأزومةً، لكنّي شيئًا فشيئًا رحت أشعر بانحسار غمامة الرطوبة من الأجواء أو بتشتّتها بين الأوراق المتراقصة في الظلام، المصدرة حفيفًا صادحًا في سماء الليل.

نزلت أمي من السيّارة وفي يدها كيسُ خامٍ كبير وراحت تجمع أوراق الكينا من الغصون الخفيضة وتضعها في الكيس. نزل أخي من السيّارة أيضًا تاركًا مصابيحها مضاءة وأشار عليّ بالنزول. فعلت ذلك وتقدّمنا معًا في شعاعي الضوء موغلين في الحرش وظلّانا ممتدّان متطاولان أمامنا، وحثينا الخطى كأنّنا نقصد هدفًا مُحددًا أمامنا. ومع خطانا المتسارعة تلك راحت أنفاسي تنشط بدورها وتتسارع على إيقاع الخطى وخشخشات الأوراق تحت أقدامنا. اجتزنا نحو مئة مترٍ تحت أشجار الكينا الوارفة وبلغنا طرف التلّ المطلّ على منحنى هضبي وبلدات أخرى متفرّقة. لم يكن ثمّة أضواء هناك في المنحنى الهضبي، حيث البلدات نائمة أو مطفأة، وبدا المشهد أسودَ شاسعًا، بلا نهاية أو بداية. كانت أمي قرب السيّارة قد ملأت الكيس بأوراق الكينا، ووقفت تنتظرنا. وحين بلغنا السيّارة عائدين كنّا كمن هبط للتوِّ بمظلة إثر رحلة في الفضاء. فالوقوف هناك عند طرف الحرش، أمام المنحنى الهضبي الغارق في الظلام، والمتداخل مع السماء والنجوم البعيدة المغشّاة بالضباب وغمامات الرطوبة، بثّ في نفسينا ما اعتبرته إحساسًا فضائيًّا غامرًا. وإذ صعدنا السيّارة في تلك اللحظة كنّا، في تخييلاتي على الأقل، كمن يصعد في مركبةٍ، أو في كبسولةٍ، تعيده إلى واقع الحياة الأرضيّة.

كان نفسي قد امتلأ بإحساس الفضاء الغامر عند طرف الحرش، ورحت أشعر بشيءٍ من الراحة والاتّساع. حين وصلنا البيت كان الليل انتصف والعتم اشتدّ حلكة، وكانت الكهرباء ما زالت مقطوعة. ركن أخي السيّارة في أوّل الزقاق تاركًا مصابيحها مضاءة، وطلب منّي ومن أمي أن نسبقه إلى البيت الذي أنارت مصابيح سيارتنا مدخله والطريق المؤدّي إليه. مشيت وأمّي في الشعاعين المنعكسين على واجهة البيت، ودخلنا وانتظرنا أخي. وعندما وصل، سارعت أمّي إلى وضع طنجرة كبيرة مملؤة ماءً على نار البوتاغاز في المطبخ وأضافت إليها من كيسها أوراق شجر الكينا. غطّى أخي رأسي بمنشفة كبيرة بيضاء وقادني بيدي نحو الطنجرة التي راحت تغلي فوق النار وتصدر صفيرًا وبخارًا متكاثفًا. وقفت فوق الطنجرة ووجهي وسط بخار الماء والكينا ورأسي تغطّيه المنشفة، ورحت أتنشّق وأتنشّق، شهيقًا وزفيرًا، وفق تعليمات أخي. حاولت التملّص مرارًا واختصار الوقت. الوقت الثقيل والمضني. لكنّ أخي كان ضبط المهمّة بساعته وراح يلحّ عليّ كي أصمد في تنشّق الكينا وسط البخار الحار المتصاعد الذي يلفح وجهي وعينيّ المغمضتين وعنقي ويخترق أنفي المسدود مُختلطًا بسائله المالح المتدفّق. كانت دقائق طويلة جدًّا تجاوزت السبع ولم تمرّ بسهولة. وهي انضمّت بسخونة بخارها على وجهي، ولحظاتِها المتضخّمة التي رحت أعدّها ثانية إثر ثانية، إلى أرقام تلك الليلة الطويلة. وأنا حين عدت بعد ذلك إلى الكنبة تحت درفة الشبّاك كي أحاول النوم، وكانت لمبة عمود البلديّة مطفأة وسرب الحشرات أُنهك واختفى، أذكر تسلّل النعاس، كخَدرٍ بادئٍ في أطراف جسدي ومُتقدّمًا فيه، مع انبلاج الضوء والنسمات الخفيفة التي راحت تتسرّب من الشبّاك. إذ أنّ الغشاء الشفيف الذي سدّ النافذة بدا آنذاك وكأنه ينسحب بهدوءٍ مع ستار الظلمة الآخذ بالارتفاع.


هكذا دخل الربو إلى جسدي عبر مشهد يبقى إلى الآن ماثلًا ومُتحكّمًا ليس في ذاكرتي وحسب، بل في كياني. وهو من تلك اللحظة، عند العاشرة والنصف من ذلك المساء، أسس منطلقًا لتاريخ جسديّ الخاصّ، يراوح، مذّاك، بين الرؤى والتخيّلات والمشاعر، وبين الوقائع الفيزيولوجيّة ذات الأثر المادّي والبيولوجي المحسوس. مشهدٌ تتصدّره ساعة يدي التي تعملق دبيبها واحتشدت فيه الأرقام المتضخّمة مع كلّ نفس يلحّ.

وأنا إذ كنت في العادة أحتار في ما أصنع به، ولا أفهم معنى إقامته الدائمة في تخيلاتي وجدوى استعادتي المتواصلة له على مدى الأعوام، رحت أعامله كما تقتضي تلك الحيرة، جاهلًا كيف ينبغي أن أجيّره وأضعه في سياقٍ مفهومٍ ذي هدفٍ يمكن أن يعني شيئًا للآخرين، وبالتالي أن يبلغ دائرة الكتابة وفضاء التفكّر بالكلمات.
ما معنى كلّ ذلك؟ طالما ساءلت نفسي، خصوصًا وأنّ الإيحاءات العامّة التي اكتنفت مشهدي المستعاد جاءت ضمن منظر طبيعة ميّتة بلا أحداث خارجيّة فعليّة، وفي قلبِ واقعٍ نافلٍ، ببلدة بليدةٍ محاطة ببلداتٍ بليدات أخريات، يخمد فيها العيش ما أن يهبط الظلام.

ما معنى ذلك الوقت المتيبّس على شاشة سوداء في ذاكرتي مضاءةٍ بأرقام متضخّمة يتصدّرها وقت بداية النوبة: 22:30، ويذيّلها وقت نهايتها مع تنشّقي أولى نسائم الفجر عند الـ 5:15!

ما معنى ذاك الشباك المشرع فوقي، لكن المسدود بغشاء لا يتحسّسه إلّا أنا، ولا يدرك ثقله سواي!

وما معنى ذلك الزقاق الضيّق، الذي لا يزيد على المترين عرضًا ويناهز ضيقه أحيانًا المتر، وها قد انضمّ رقماه هذان إلى الشاشة الاستعاديّة في ذاكرتي، واندمجا بالأرقام الضابطة لأنفاسي.

وما معنى ذاك الضوء الشاحب المحتضر في أعلى عمود الكهرباء، وأسراب الحشرات الطائرة وأزيزها الذي يحاكي الأنين! وتلك الرحلة في قلب الظلام خلف شعاعين خافتين في بحرٍ ساكنٍ يتبخّر، إلى موضعٍ وصلَ الأرض بالفضاء وأعاد لي بعض الأنفاس المستعصية! وهي رحلة انتهت فوق طنجرة ماءٍ تغلي وبخارٍ ودقائقٍ أعدّ لحظاتها ثانية إثر ثانية!

وأنا أمام جهلي المُحيّر ذاك ثابرت سرًّا على معايشة المشهد المستعاد وعلى ردّه إلى عالم الظلمة الذي ارتبط به وانبثق منه أصلًا. كما داومت على كبحه وكبته في مخزن النفس مع أشياء أخرى لا أرى معنًى لمشاركتها أو مبرّرًا لإطلاقها. إذ أنّي اعتبرت الأمر الكامن خلف المشهد، الثابت في الذاكرة، لا يربو عن كونه أمرًا ذاتيًّا محضًا، يرتبط بعطبِ الجسد، وينتظم بإيقاع وقتي الخاص وطريقة فهمي الذاتيّة له، وأسلوب تفاعلي معه، وهو يُفيدني، أنا حصرًا، من ناحية مراكمة الخبرة في التعامل مع نوبات الربوِ وحمل الذات والجسد على تجاوزها والتحايل عليها. فالربو هو هكذا، جائحة ذاتيّة تتأسس في الكيان من النوبة الأولى وتُقيم فيه إلى الأبد. وكلّ تعامل معه، مهما تعدّدت العلاجات، لا بدّ أنّ يستند إلى ما حصّله المرء من تلك النوبة الأولى. إنّه جائحة ماكرة ومقنّعة، تظهر وتختفي، وتقيمُ وتوارب، وتكمن بين الهاجس والسرساب، وبين الأزمة الفيزيولوجيّة في مادّة الجسد ووظائف أعضائه. مرض باطنيّ مُقنّع مثل لصٍّ، يحتاج إلى تحايلٍ وأوهامٍ واختبار وضعيّاتٍ، وتغيير أجواء كي يُحصر، أو يُكبح، أو يُرجأ، أو يُنسى. زائرٌ غادِرٌ مقيمٌ في الجسد، ينصب كمائنه عنوة وغدرًا.

يقطع صاحبُ الربو صحارى وجبالاً، وبحرًا هائجًا على متن قارب متداعي، ويبلغ شطّ الأمان. وفي النهاية، هناك عند شاطئ الأمان يكون ثمّة حصانٌ، وصاحب الربو لديه حساسيّة مُفرطة من ملمس الحصان وجلده وأنفاسه، فما أن يقترب منه ويلمسه حتى تتملّكه النوبة الساحقة، وتهلكه في عشرين دقيقة!

أنا الآن عند هذا الشاطئ مُحترسًا من وجود ذلك الحصان القاتل. ما زلت أعدّ الأرقام. شهرٌ، شهران، ثلاثة، أربعة. أنا الآن واقف عند تلك الفاصلة من الوقت حيث نسائم الفجر الأولى تتسلّل من الشبّاك وتخترق غشاءه الشفيف الغريب الذي يشتدّ وينحسر ويتراخى ويتفاوت منذ ثلاثة أشهر أو أربعة. البخار الساخن ورائحة الكينا عادا ليلفحان ذاكرتي. فالعالم بأسره الآن سُدّت منافذه، وأغلقت مدنه الكبرى والصغرى ومناطقه النائية، وغدا تلك البلدة البليدة الخامدة. أجول متنزّهًا في مشهدي الأليف المُستعاد، بين العاشرة والنصف ليلًا والخامسة والربع فجرًا، في ذاك الزقاق الذي يبلغ عرضه المترين ويناهز ضيقه المتر. لمبة عمود البلديّة مضاءة بنورها المخنوق، وسرب الحشرات يحوم من جديد مصدرًا الأنين. أتفقد مشهدي المستعاد بتفاصيله المملّة، فاصلة إثر فاصلة ورقمًا إثر رقم. مشهدُ تاريخيّ الشخصيّ كلّه، بأعطابه السريّة الدفينة، ونوافله وتفاصيله البسيطة وغموضه المينيمالي، الذي يقول كلّ شيء. إنّه الآن تاريخ العالم يكتب بالأنفاس. بأجهزة التنفّس، وبأعدادها، بالمصابين بضيق النفس، وبأعدادهم، بتراجع تلك الأعداد وبتقدّمها. تاريخ لم يبدأ في هذه اللحظة ولن ينتهي غدًا. بل يكمن هنا على الدوام داخل صدري وفي قلب شاشة ذكرياتي، ويردّني إلى وقتٍ واضحٍ، محددٍ، مُملٍّ، ومضبوط بالأرقام لتخفيف وطأته ومعناه. أرقام بسيطة، بائدة، أوّليّة، يمكن اجتيازها. أجول في هذا المشهد وبين تفاصيله. الغشاء الشفيف الذي سدّ النافذة كأنه ينسحب بهدوءٍ مع ستار الظلمة الآخذ بالارتفاع. لكنّه قد يعود في أيّ لحظة. "الغيوم طويلة" [1] فوقي وأنا أتذكّر بقسوة وقلق، وما زلت أتنفّس ... حتّى هذه اللحظة.


[1]كتاب لفادي أبو خليل بعنوان: "غيوم طويلة إنني أتذكّر"

فادي طفيلي
كاتب وشاعر ومترجم لبناني.
درس الهندسة الداخليّة في معهد الفنون الجميلة\ الجامعة اللبنانيّة، ونشر كتاباته منذ مطلع التسعينيّات في "ملحق النهار".
عمل في صحف لبنانيّة عدّة منها "السفير" و"المستقبل"، وخلال عمله في هذه الأخيرة، على مدى أكثر من عشرة أعوام، كان من عداد الفريق الذي وقف على إصدار ملحق "نوافذ".
تابع دراسته في هولندا. وأسس مع آخرين مجلّة "البوابة التاسعة: مقالات المدينة وأخبارها" ورئس تحريرها إلى حين توقّفها عن الصدور.
له أربعة كتب شعريّة، وصدر له مع أشكال ألوان "اقتفاء أثر: مرويات في المدينة والأمكنة والأحياء".


For the English version

Between 10:30 pm and 5:00 am
My long night began at the end of that blistering summer’s day, or let’s say that exhausting and heavy day, around 10:30pm, when the town was plunged into an abyss of silence and fog. The metallic shutter of the wide-open window above me, trellised and crowned by a majestic jasmine tree, looked as t…